في مشهد يعبق بروح الوطنية وعبير التاريخ، وقفت ساكنة طرفاية، يوم الثلاثاء، ومعها قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، على أطلال ملحمة مجيدة أعادت المدينة إلى حضن الوطن الأم قبل سبعة وستين عامًا، لتتحول الذكرى من مجرد تاريخ في الذاكرة إلى نبض في القلوب.
لم يكن يوما عاديا، فقد اجتمع الشاهدون على زمن التضحية ومن ساروا على دربهم، في مهرجان خطابي حضره مصطفى الكثيري، المندوب السامي للمقاومة وأعضاء جيش التحرير، ليتحدث بصوت المقاتل المؤمن بقضيته، مؤكدًا أن استرجاع طرفاية سنة 1958 لم يكن وليد صدفة، بل ثمرة نضال ووفاء امتد لعقود.
ذاكرة من نار ونور
الكثيري لم يكتف بسرد الأحداث، بل أعاد إحياء صورة القبائل الصحراوية وهي تتصدى بكل ما تملك لمخططات الاستعمار منذ أواخر القرن التاسع عشر، تحت قيادة روحية وجهادية قادها الشيخ ماء العينين، الذي شدّ الرحال إلى فاس سنة 1906 مجددًا بيعة الصحراء للعرش العلوي، في عهد السلطان مولاي عبد العزيز، ليستلم السلاح والمؤونة، ويدخل المعركة ضد الاستعمار من بوابة الشرعية والمقاومة.
وحين جاء عهد السلطان المولى عبد الحفيظ، استمرت البيعة واستمر الدعم، وكانت زيارة وفد قبائل الصحراء لمراكش سنة 1907، برئاسة الشيخ نفسه، عنوانًا واضحًا على تماسك اللحمة الوطنية رغم التحديات.
من ملحمة التحرير إلى مسيرة البناء
الاحتلال لم يكن نهاية الطريق. فبعد جلاء الاستعمار، انطلقت معركة من نوع آخر، معركة لبناء مغرب جديد. وكانت زيارة المغفور له محمد الخامس لمحاميد الغزلان سنة 1958 بمثابة نداء للوحدة، استجاب له المغاربة بقلوبهم وسواعدهم، ليتحقق بعد ذلك بأيام معدودة استرجاع طرفاية في 15 أبريل من نفس السنة.
ثم جاء تتويج المسار الوطني، بمسيرة خضراء لا تزال تضيء درب الأجيال، قادها المغفور له الحسن الثاني سنة 1975، لينتهي آخر فصل من فصول الاحتلال، وترفرف راية المغرب فوق العيون في 28 فبراير 1976.
وفاء مستمر وتكريم مستحق
وخلال هذا اليوم الرمزي، تم تسليم 29 إعانة اجتماعية لقدماء المقاومين وأراملهم، في التفاتة رمزية لكنها عميقة المعنى، جسدت العرفان لمن حملوا عبء الدفاع عن الوطن في زمن لم يكن فيه شيء مضمون سوى الإيمان بالقضية.
كما تمت زيارة مقر المندوبية الجديد وفضاء الذاكرة التاريخية بطرفاية، وهما معلمان جديدان يحفظان ذاكرة النضال ويرويان حكاية الجهاد المغربي للأجيال القادمة. هذا المشروع، الذي كلف حوالي مليوني درهم، أنجز بشراكة بين مجلس جهة العيون والمندوبية السامية، ويضم قاعات للعروض والندوات ومكاتب إدارية، إلى جانب تجهيزات تقنية بلغت 120 ألف درهم.
رهانات المستقبل بثقة الماضي
وفي ختام اللقاء، لم يفت الكثيري أن يشيد بحكمة الملك محمد السادس، التي مكنت المغرب من تحقيق انتصارات دبلوماسية متتالية في ملف وحدته الترابية، حيث بات العالم ينظر إلى مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية.
هكذا، لم تكن ذكرى استرجاع طرفاية مجرد احتفال عابر، بل لحظة امتنان ووفاء، تجدد العهد بين ماضٍ لا يُنسى ومستقبل يُصنع بثقة وصبر وإرادة لا تلين.